ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي

109

الوشى المرقوم في حل المنظوم

عباس يذكر لأبى سعد محمد بن أحمد العميدى ( ت 433 ه ) متولّى ديوان الإنشاء بمصر أيام المستنصر كتاب « الإرشاد إلى حل المنظوم ، والهداية إلى نظم المنثور » « 1 » . كذلك فإن ابن عبد ربه « يسمى السرقة باسم الاستعارة ، ويرى أن أخفاها وأدقها ما كان ينقل المنثور إلى المنظوم أو العكس » « 2 » . لقد تميزت النصوص التي اختارها ابن الأثير ، وأودعها ثنايا كتابه « الوشى المرقوم « بأنها - يمكن القول - تلك النصوص التي يشعر هو شخصيا بمدى إبداعه فيها . أضف إلى ذلك رؤيته لها بأنها يمكن أن تعد - أو بالأحرى حسب رؤيته - نموذجا يحتذى به كل من يريد أن يمتهن الكتابة ، ويتخذها صنعة . إن الضياء يثير في مقدمة هذا الكتاب قضية ؛ سبق أن أثارها غيره كثيرون . ألا وهي قضية « النثر والنظم » . التي شغلت العديد من الأدباء غير مرة ، وفي أزمان مختلفة ، فلم تكن وليدة وقتها . أو من ابتكاره . فقد أخذت أشكالا عدة منها ما بين المفاضلة بين المنظوم والمنثور ، أو المفاضلة بين الكتاب والشعراء ، وكل واحد يقدم أدلته على أحقية صاحبه بالتقدم والفضل على الآخر ، أو ما قام به بعض الكتاب من نثر الشعر وحله في ثنايا مكاتباتهم ورسائلهم ، وهذا ما يتضح جليا في كتابات ابن الأثير ومن سبقه من الكتاب . وهناك طائفة أخرى أخذت على عاتقها نظم النثر في قالب موزون ومقفى . الضياء بن الأثير يدخل دائرة أولئك الناثرين الذين ينتصرون للنثر على الشعر ، نلاحظ ذلك في أكثر من موضع ليس في كتابه « الوشى المرقوم » ؛ بل وفي كتب أخرى له . عاقدا مقارنات بين نثره وبين الشعر الذي حله « فانظر أيها المتأمل إلى هذين البيتين ، وإلى الفصل من الكلام المنثور ، ودقق النظر حتى تعلم أن بينهما بونا ، وترى هذا لونا ، وهذا لونا » « 3 » تاركا الحكم للقارئ . ومن يقارن بين نثره والشعر الذي يأخذ منه سيحكم بالتقدم لابن الأثير الذي

--> ( 1 ) السابق / 269 . ( 2 ) السابق / 478 . ( 3 ) انظر ص 322 .